محمد كرد علي
161
خطط الشام
بين الفريقين العظيمين من العرب أضرت ضررا بالغا . وكان القيسيون حزب العباسيين على الأغلب واليمانيون حزب الأمويين والمنافسة بينهما على الملك والسلطان . « تعرض رجل للمأمون بالشام مرارا فقال له : يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان فقال : أكثرت عليّ يا أخا أهل الشام ، واللّه ما أنزلت قيسا من ظهور الخيل إلا وأرى أنه لم يبق من مالي درهم واحد ، وأما اليمن فو اللّه ما أحببتها ولا أحبتني قط . وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه ، وأما ربيعة فساخطة على اللّه منذ بعث نبيه من مضر ، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما ثائرا ، اعزب فعل اللّه بك » . سبب تباغض النزارية واليمانية وحكمة حكيم : تأصلت البغضاء بين النزارية واليمانية منذ كان للعرب في الشام سلطان . وكثيرا ما تظهر بوادر هذه العداوة لسبب تافه . فقد ذكروا أن الكميت الشاعر المعروف ، مدح النزارية فأفحش في مدحه ، ففخروا بذلك على اليمانية ، وأغدق بنو هاشم المال على الكميت مكافأة له ، وقام دعبل الخزاعي يمدح اليمانيين ويعيب غيرهم ، فكان هذا أول الشنآن بين النزارية واليمانية ، ومنها تحزب الناس بالمناقب وثارت بينهم في البدو والحضر ، إلى أن قام محمد الجعدي متعصبا لقومه ، فانحرف الناس للدعوة العباسية وتقلقل الأمر إلى انتقال الدولة من بني أمية إلى بني هاشم ، ولم يبق معهم إلا من فرّ بنفسه مستخفيا . وكان رجال الإدارة والسياسة إذا أحبوا نشر العدل بين هذين الحيين العظيمين من أحياء العرب يتعذر عليهم ذلك إلا بغمط حقوق الفريق الثاني ، ولذلك عدّ من حسن سياسة إبراهيم بن محمد المهدي المنبوز بابن شكلة الهاشمي أخي الخليفة الرشيد لما ولي دمشق ، ما اتخذه أو ابتدعه من طريقة